أخبارنا ومقالاتنا
العودة إلى المدونةثقافة ومعرفة

ديناميكا الموائع الحسابية CFD: أسس نظرية

إذا تأملت خلق الله حولك فستجد أن أغلب ما يحيط بنا من ظواهر طبيعية وأنظمة هندسية يحوى حركة موائع (سواء سوائل أو غازات) مثل حركة الرياح والأعاصير وأمواج البحار وتيارات المياه في المحيطات وعملية التنفس وسريان الدم داخل الجسم وطيران الطيور وسباحة الأسماك وحركة السيارات والطائرات والصواريخ والسفن وتربينات الرياح والتربينات الغازية والبخارية الخاصة بتوليد القدرة الكهربية والمحركات النفاثة للطائرات.. كلهم يجمعهم شيء واحد وهو فيزياء تدفق الموائع

ديناميكا الموائع الحسابية CFD: أسس نظرية

وبشكل عام فإن دراسة أي نظام هندسى أو تحليل أي ظاهرة فيزيائية يمكن أن يتم بأحد ثلاث طرق:

  1. الاختبار العملى Experimental approach
  2. الدراسة التحليلية Analytical approach
  3. المحاكاة الحسابية Numerical approach أو Computational approach

فعلى سبيل المثال لو افترضنا حالة بسيطة لتدفق هواء في أنبوب متناقص المقطع وأردنا معرفة سرعة الهواء عند مخرجها بمعلومية سرعته عند المدخل، فيمكن التعامل معها بأحد الثلاث طرق المذكورة عاليه. حيث يمكن بناء منصة اختبار عملى test rig ووضع أجهزة التحكم والقياس اللازمة لتعيين سرعة الهواء عند الخروج. كما يمكن حلها تحليلياً بتطبيق قانون برنولى Bernoulli equation بين نقطتى الدخول والخروج مع معادلة الاستمرارية Continuity equation. ويمكن أيضاً بناء نموذج عددى (حسابى) CFD model لإيجاد الناتج كما هو موضح بالصورة

وحركة أي مائع يمكن محاكاتها حسابياً من خلال حل المعادلات الحاكمة للتدفق Flow governing equations وهى معادلات نافيير ستوكس Navier–Stokes equations وهى مجموعة معادلات تجمع بين جميع متغيرات حركة المائع مثل السرعة والضغط والكثافة ودرجة الحرارة. ونظراً لتعقد تلك المعادلات يتم حلها عددياً وليس جبرياً، وهذا الحل العددى Numerical solution هو ما يتم في ديناميكا الموائع الحسابية CFD ويُعد مجال ديناميكا الموائع الحسابية Computational Fluid Dynamics (CFD) أحد العلوم البينية الواقعة في مساحة التقاطع بين ثلاثة مجالات:

  1. ميكانيكا الموائع Fluid Mechanics
  2. الرياضيات Mathematics
  3. علوم الحاسب Computer Science

ونظراً لأن المحاكاة تتم عبر الكمبيوتر ومن المعلوم أن اللغة الوحيدة التي يفهما هي لغة النظام العددى الثنائى Binary system المكونة فقط من 0 و 1، وكذلك نظراً لكون المعادلات الحاكمة يتم حلها عددياً Numerically وليس جبرياً، فكان لزاماً في أول خطوة أن يتم تحويل مجال تدفق المائع محل الدراسة من نظام مستمر Continuous system كما هو موجود بالواقع إلى نظام متقطع Discrete system فيما يُعرف بعملية Discretization. ومجال حركة المائع يشمل مكانه وزمانه، وبالتبعية صار لدينا Spatial discretization فيما يخص مجال حركة المائع المكانى، و Temporal discretization فيما يخص مجال حركة المائع الزمانى. فمن حيث المكان يتم تقطيع حجم مجال حركة المائع إلى وحدات صغيرة تسمى (خلايا Cells) ومن حيث الزمان يتم تقطيع زمان حركة المائع إلى وحدات صغيرة تسمى (خطوات الزمن Time steps) وكلما صغر حجم الخلايا وصغرت خطوات الزمن كلما كان النظام المتقطع أكثر واقية وأقرب للنظام المستمر. وفى داخل كل خلية عند كل خطوة زمن يتم حل المعادلات الحاكمة حلاً عددياً حتى اللحظة تحتاج النتائج الخارجة من برامج الـ CFD إلى التأكد من دقتها من خلال مقارنتها بنتائج مرجعية خارجة من تجارب عملية فيما يُعرف بالـ Validation. وذلك نظراً لكون محاكاة اضطراب تدفق المائع أمر في غاية التعقيد فيحتاج لمستويات من التبسيط للتعامل معه. ولذلك يجب أن نعرف إلى أي حد يؤثر هذا التبسيط على دقة الحل من خلال مقارنته بنتائج اختبارات عملية. إذن يبرز السؤال هنا.. إذا كنا دوماً نحتاج إلى نتائج عملية للتأكد من دقة نتائج الـ CFD models فما الحاجة إذن للـ CFD أصلاً؟ والجواب حسب فهمى المتواضع في نقطتين: أولاً عملية التحقق من دقة نتائج الـ CFD لا تتم في كل حالة بل يكفى أن تتم مرة واحدة لحالة واحدة في البداية ثم تستمر دراسة الحالات المختلفة بهذا الـ Validated CFD model. وثانياً فإن الدراسة العددية تتفوق على الدراسة العملية من حيث التكلفة فهى في الغالب أقل تكلفة بكثير من الاختبار العملى، وكذلك من حيث مستوى التفاصيل في عرض النتائج. فعلى سبيل المثال عند محاكاة نظام تكييف داخل غرفة بعدد خلايا مليون خلية وخطوة زمن 0.1 ثانية يصبح بإمكانك معرفة كل خصائص الهواء في كل نقطة من المليون نقطة عند كل 0.1 ثانية. فيمكنك معرفة سرعة ودرجة حرارة ورطوبة الهواء بمستوى من التفصيل المكانى والزمانى يصعب جداً أو ربما يكاد يكون مستحيل تحقيقه بأجهزة القياس العملية، أو في أحسن الأحوال سيكون مكلف جداً مستويات التبسيط تلك متعددة وتختلف حسب الحالة، إذ أن المستوى الأول الواضح في التبسيط هو الانتقال من نظام واقعى مستمر إلى نظام متقطع زماناً ومكاناً كما سبق شرحه. ثم قد يكون التبسيط في عدم أخذ الزمن في الاعتبار من خلال حل Steady-state solution حيث نفرض أن خصائص المائع ثابتة مع الزمن. وقد يكون التبسيط في شكل مجال حركة المائع: فبدلاً من كونه ثلاثى الأبعاد 3D كما بالواقع، يمكن تبسيطه لثنائى البعد 2D أو بعد وسيط بينهما 2.5D. وأيضاً يمكن تبسيطه لشكل متماثل لتقليل عدد الخلايا للنصف (باعتبار مستوى تماثل واحد)، أو ربما للربع (باعتبار مستويىّ تماثل). وفى الأشكال المتماثلة حول محور دوران Axi-symmetric يمكن تبسيط الحالة لشريحة Segment بزاوية معينة تعبر عن كامل الشكل مثل دراسة تربينات الرياح الأفقية ثلاثية الريش بتبسيطها لريشة واحدة بزاوية 120° للشريحة. والتبسيط الأهم والأكثر تأثيراً في النتائج هو تبسيط محاكاة اضطراب المائع، حيث توجد ثلاثة مستويات عامة لمحاكاة اضطراب المائع وهم: RANS = Reynolds-Averaged Navier–Stokes LES = Large Eddy Simulation DNS = Direct Numerical Simulation فالأول RANS هو الأكثر شيوعاً في التطبيقات الصناعية والأكثر تبسيطاً لمحاكاة اضطراب المائع، بينما الأخير DNS فكما يبدو من اسمه لا يحوى أي مستوى تبسيط فى محاكاة الاضطراب فهو الأدق والأعلى تكلفة حسابية وهو غير عملى في الحالات المعقدة، وبينهما يتوسط LES ولكنه يحتاج لقدرات حسابية عالية نسبياً في الحالات المعقدة مقارنةً بـ RANS ومع التقدم السريع فى قدرات المعالجة الحسابية وبروز ما يُسمى الحواسيب الكمّوية Quantum computers هل نشهد في المستقبل القريب نماذج CFD بأقل قدر ممكن من التبسيط بما يجعل نتائجها موثوقة بذاتها دون الحاجة للتحقق بنتائج عملية؟

تخضع المقالات للمراجعة التحريرية قبل النشر، وتوضح كل مقالة طبيعتها وسياقها

شارك المقال

WhatsAppFacebookLinkedInX

النقاش حول المقال

ابدأ النقاش بسؤال أو فكرة.

سجّل الدخول للتعليق

الإبلاغ عن تعليق مسيء